القاضي النعمان المغربي
126
تأويل الدعائم
أهل الجنة وأهل النار وجاء مثل ذلك عن غير واحد من أنبياء اللّه فيما يليه من أمر أمته بأمر اللّه لا شريك له ، حتى إن النصارى لما سمعوا مثل ذلك عن المسيح عليه السلام غلوا فيه وادعوا له الألوهية والنبوة تعالى اللّه وتقدس عن أن يكون معه إله أو أن يكون له ولد ، زعموا أنه هو الّذي يلي حساب الخلائق أجمعين يوم القيامة ، ولو تدبروا ما زعموا له ذلك مما هو في إنجيلهم الّذي هو في أيديهم لعلموا أنه لا يعدو في ذلك أمر أمته التي أرسل إليها ؛ وإن كان ما في أيديهم من الإنجيل ليس فيه شيء من التنزيل ، وإنما هو حكاية عن المسيح من خبر قوم ، وكذلك الّذي في أيدي اليهود من التوراة فليس فيها لفظ تنزيل من اللّه جل وعز ، وإنما هي كلها حكايات عن شأن موسى وما كلمه اللّه عز وجل ، وأخبار عن ابتداء الخلقة والأمم والأنساب ، وكل ذلك حكاية من حكا ذلك وليس من كلام اللّه جل وعز ولا من لفظ موسى عليه السلام ، كما القرآن كله كلام ، اللّه حل ذكره ، فقد قال جل وعز فيه « وأنزل التوراة والإنجيل » وذكر وحيه إلى موسى وعيسى والّذي في أيديهم من التوراة والإنجيل ليس من تنزيل اللّه جل وعز وكلامه ولا من لفظ موسى وعيسى وإنما ذلك حكاية من حكا ذلك ، وتدل تلك الحكايات على أنها إنما حكيت من بعد موسى مما هو في توراتهم ، ومن بعد عيسى مما هو في إنجيلهم ، واللّه جل وعز قد أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى فأين ذلك التنزيل الّذي هو خطاب عن اللّه لمن أنزله عليه ، وأين خطاب موسى وعيسى عليهما السلام الّذي يكون مثله ما جاء من الخير والسنن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وأن ذلك انتقل في المسلمين عن ثقاتهم وقراء القرآن كذلك بعضهم على بعض ، وليس عند اليهود ولا عند النصارى شيء من ذلك ، وفي هذا كلام يطول شرحه وإثبات الحجة فيه وليس هذا مكانه فيستقصى ذكره ، والّذي في الإنجيل الّذي بأيدي النصارى مما ذكرناه أنه يشهد على فساد ما ادعوه من أن المسيح يلي أمر الحساب من جميع العباد ، وذلك هو الّذي ادعوا له ذلك به أنه مثل فيما زعموا لهم مثلا ؛ فقال شبيه ملكوت السماء رجل زرع في قرية له زرعا صالحا فلما نام الناس جاء عدوه فزرع بين الحنطة زوانا يعنى حشيشا وانطلق ، فلما نبت الزرع ظهر حينئذ الزوان فاقترب عبيد رب القرية إليه ، وقالوا له يا سيدنا ألست إنما زرعت